غويلة ينسب بناء السرايا الحمراء إلى العثمانيين .. فماذا يقول الواقع ومراجع التاريخ ؟

0

ليبيا – أثار حديث الداعية الليبي الكندي المتشدد عبدالباسط غويلة عضو دار الإفتاء والمحسوب على جماعة الإخوان المسلمين الجدل بحديثه عن أن ” الله أهلك الطاغية معمر القذافي وأسقطه ومن قبله موسيليني بسبب تجرأهم على الخطابة من فوق السرايا الحمراء الشامخة التي بناها العثمانيون وسكنها من بعدهم القراماليون ” ، وفقاً لقوله وتعبيره .

وقال غويلة عبر قناة التناصح التابعة للمفتي المعزول من مجلس النواب الصادق الغرياني في وثائقي أعده من أمام السرايا الحمراء ومن معسكر باب العزيزية حيث مقر القيادة الليبية السابقة الذي استهدفه حلف الناتو بعشرات الغارات الجوية  : ”  شاهدنا القذافي يخطب من فوق السرايا أدركنا أن نهايته مثل موسيليني ، فمامن ظالم خطب فوق هذه السرايا إلا وأسقطه الله ” .

وشن عدد من رواد التواصل الإجتماعي هجومًا حادًا على غويلة ليس فقط لإدعائه البطولة متجاهلًا دور الناتو في إسقاط معسكر باب العزيزية عام 2011  بل لتزويره تاريخ بناء السرايا ونسبه للغزاة العثمانيين الذين سلموها لأقوام من بعدهم بينما يعود تاريخها الحقيقي إلى ماقبل الفتح الإسلامي لطرابلس ومنطقة شمال أفريقيا برمتها ومن ثم في حقبة الأسبان والمالطيين وهكذا إلى يومنا هذا .

ولكن من بين عدة مراجع تنفي صحة إدعاءات غويلة بأن العثمانيون هم من شيد السرايا وسيأتي هذا المقال عليها بالتفصيل، مرجع عثماني للبحار التركي المسمى ” الريس بيري ” الذي زار طرابلس سنة 1525 أي قبل الغزو العثماني بـ 26 سنة ورسم خارطة تظهر فيها السرايا وهي مشيدة ومكتملة الأسوار والأبراج منذ عقود قبل ذلك التاريخ ومكتوب فوقها ( قلعة طرابلس الغرب )  !  .

السرايا الحمراء أو قلعة طرابلس وهي من أهم معالم مدينة طرابلس في ليبيا، وقد سميت بالسراي الحمراء لان بعض أجزائها كانت تطلى باللون الأحمر.وتطل على شارعي عمر المختار والفتح. وهي تقع في الزاوية الشمالية الشرقية من مدينة طرابلس القديمة، وتشرف على مينائها، وبحيرة السرايا الحمراء “والتي كانت في السابق بحرا قبل أن يتم ردمه في السبعينيات”، الأمر الذي مكنها قديما من حماية المدينة والدفاع عنها برا وبحرا.

وقد تعرضت القلعة إلى تغييرات واضافات كبيرة في عمارتها، حسب ذوق ومتطلبات كل حكم، وتبلغ مساحتها (1300 م2) وتبلغ أطوال أضلاعها : من الشمال الشرقي (115م) ومن الشمال الغربي (90م) ومن الجنوب الغربي (130م) ومن الجنوب الشرقي (140م) ويبلغ أعلى ارتفاع لها (21م).

بنيت قلعة طرابلس على بقايا مبنى روماني ضخم، ربما كان أحد المعابد أو الحمامات الكبيرة، حيث عثر أسفل الطريق الذي كان يخترق القلعة من الشرق إلى الغرب على بعض الأعمدة والتيجان الرخامية الضخمة التي تعود إلى القرن الأول أو الثاني الميلاديين.

كانت حصنا كبيراً للدفاع عن مدينة طرابلس في العصر البيزنطي، حيث يروى أن العرب المسلمين عندما زحفوا على طرابلس بقيادة عمرو بن العاص في سنة 21هـ الموافق 642م وجدوا المدينة محاطة بسور قوي، ولم يتمكنوا من دخول المدينة إلا بعد حصار دام شهرا من الزمان، وقد اهتم الحكام العرب بالقلعة حيث يلاحظ في الجانب الشرقي منها بقايا بعض الأبراج المرتفعة تشبه تلك الأبراج التي كانت معروفة قبل اكتشاف البارود، وكذلك وجود بعض الجدران التي بناها العرب قبل دخول الإسبان إلى طرابلس في 25 يوليو 1510م.

وقد تواصلت المرصد مع أحد المطلعين على تاريخ طرابلس ومعالمها فأفاد بما يلي :

{ عندما فتح الصحابة رضي الله عنهم طرابلس كانت أصلا مدينة محصنة بالكامل مما اضطرهم لمحاصرتها شهرا كاملا، وتفاصيل ذلك مجمع عليها في كتب التاريخ وآخرها كتاب أحمد بك النائب الأنصاري (المنهل العذب في تاريخ طرابلس الغرب).

تاريخ قلعة طرابلس يرجع إلى أصول قديمة جدا سابقة لدخول العرب المسلمين إليها، وقوس (ماركوس اوروليوس) في باب البحر شاهد عيان على قوة المعمار في طرابلس منذ القدم.

وقد توالت الأجيال منذ القدم على ترميم تلك التحصينات القديمة والبناء عليها وتحسينها وتطويرها حسب المستطاع في كل حقبة من حقب تاريخ المدينة العريق. ومن أهم التطويرات على القلعة نفسها هي تلك التحسينات التي قام بها الأسبان في عهد (تشارلز الخامس) ثم (فرسان القديس يوحنا) الذين استلموها منه عام 1530.

ومن الطريف أن خبيرا بحريا عثمانيا اسمه (الريس بيري Peri Reis) قد رسم تحصينات طرابلس كما كانت عليه وقت تأليف كتابه وهو العام 1525، حيث أهداه إلى السلطان سليمان القانوني، ووضع عليها العلم العثماني تيمنا بفتحها قريبا، ويبين رسم الريس الشهير صورة تحصينات طرابلس بسور مكتمل والقلعة وبرج مراقبة الميناء، وكان كل ذلك قائما قبل دخول العثمانيون طرابلس عام 1551.

نعم، قام العثمانيون ثم القرمانليون بتحسينات داخل القلعة، ولكنها لم تكن ابدا من إنشائهم، ولم يدعوا ذلك ابدا. ولكن الإخوان المسلمون عثمانيون أكثر من الدولة العثمانية نفسها، ويعثمنون كل شئ، حتى تاريخ ومعالم ليبيا القديمة }.

وعندما احتل الإسبان مدينة طرابلس اهتموا اهتماما خاصا بالأسوار والقلاع الدفاعية وخاصة قلعة طرابلس، ويبدوا أن معظم البناء الخارجي الحالى للقلعة يعود إلى فترة الحكم الأسباني وفترة فرسان القديس يوحنا الذين سلمهم الإسبان المدينة عند خروجهم منها سنة 1530م، وقد بنى الإسبان بالقلعة برجين : البرج الجنوبي الغربي والبرج الجنوبي الشرقي والذي يعرف باسم (حصن سان جورج)، وكان بينهما فتحات لوضع المدافع حسب الأساليب المتبعة في القرن السادس عشر الميلادي، وقد اضاف فرسان القديس يوحنا برجا آخر بالقلعة في الزاوية الشمالية الشرقية، يعرف باسم (برج سانتا باربرا)، وكان يبدوا واضحا من الخرائط التي تعود للقرن السابع عشر، أن السراي كانت محاطة بقناة مائية من جميع الجهات، وكان مدخلها يقع عند الجدار الجنوبي. أما اسم الحمراء الذي اكتسبته فكان نتيجة لأن اللإسبان طلوا جدرانها الخارجية باللون الأحمر.

استولى الأتراك على القلعة سنة 1551م، فقاموا بعدة اضافات بها، وحول (مراد آغا) الكنيسة التي كانت داخل القلعة إلى مسجد، واتخذ الولاة الأتراك القلعة مقرا لهم ولأسرهم .

وعندما استقل أحمد باشا القره مانلي بحكم البلاد في سنة 1711م بذل هو وأسرته اهتماما خاصا بالحصون الدفاعية، وتضم القلعة في العهد القره مانلي بناء خاصا لحاكم طرابلس به قاعة فسيحة يستقبل فيها الوفود وقناصل الدول الأجنبية، وكانت بالقلعة أيضا دار لصك العملة، وديوان القضاء، وصيدلية حكومية، وبعض المخازن والسجون والمطاحن ، هذا هو دور العثمانيون في تاريخ القلعة بعيدًا عن تضليل غويلة وتأليهه وجماعته الحقبة العثمانية وكأن ليبيا لم تكن موجودة قبلها .

عندما احتلت إيطاليا الفاشية طرابلس سنة 1911م، اتخذت السراي مقرا للحاكم العام، كما استعملت بعض أجزائها كمتاحف، وقد حدث في هذه الفترة تغييرات كثيرة داخل السراي، من أهمها ازالة بعض المباني الخارجية التي كانت ملاصقة لها، وشق الطريق الذي يؤدى إلى ميناء طرابلس، والأقواس الواقعة بالجانب الشمالي من سور القلعة، وفي عام 1919 تحولت القلعة إلى متحف للمرة الأولى في تاريخها.

في البداية اكتفى الطليان ببناء قديم يقع إلى جوار القلعة من ناحية الجنوب، والذي كان يستخدم خلال العهد العثماني الثاني كمركز للشرطة، وحوله الإيطاليون فور نزولهم إلى طرابلس إلى مخزن للذخيرة. فيما بعد تم تعديل المخزن الذي يصل طوله إلى 30 مترا، وحوالي عشرة أمتار عرضا، والمقام على ستة أعمدة ليكون أول متحف في تاريخ ليبيا.

في مطلع عشرينات القرن العشرين أزيلت كل ملحقات القلعة بما في ذلك المخزن المذكور، وتحولت كل القلعة إلى متحف افتتح عام 1930 على يد الحاكم الإيطالي العام بالبو، الذي سرعان ما بهرته القلعة فنقل إليها مكتبه، ليتولى تصريف شؤون البلد من جزء صغير في القلعة. وبناء “المتحف الكلاسيكي” السابق الذي حل مكانه الآن متحف السراي الحمراء، كما تم وضع بعض النافورات القديمة بساحات القلعة التي يرجع تاريخها إلى القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين، والتي تم احضارها من منازل المدينة القديمة.

بعد سيطرة البريطانيين على البلد خلال الحرب العالمية الثانية سعوا عن طريق اليونسكو إلى إنقاذ التحف الأثرية التي لا تقدر بقيمة، وفي عام 1948 تحولت كل القلعة إلى مجمع المتحف الليبي، لتشمل متحف ما قبل التاريخ، متحف القبائل الليبية القديمة، متحف التراث الليبي في العصر البونيقي، العصر اليوناني، العصر الروماني، العصر البيزنطي، متحف التاريخ الطبيعي، ومن سنة 1952م أعدت السراي لتكون مقرا لإدارة الآثار ومتاحفها. وأخيرا أضيف في عهد النظام السابق متحف عصر الجماهير.

 

المصادر التاريخية : مصدر خاص مهتم بتاريخ طرابلس + كتاب الريس بيري + مراجع أعدتها وجمعتها موسوعة ويكيبيديا

 

 

يمكنك قراءة الخبر في مصدره صحيفة المرصد الليبية