أيها العرادي الشاكي مِنك الشكوى وإلى الله المُشتكىَ.

0
للذين يعرفون حقائق التيار القطبي، المتشدد فعلياً والناعم ظاهرياً، الذي يقود حالياً تنظيم وحزب الإخوان المسلمين الليبيين، لم يكن غريباً ولا خارجاً عن سياق التفكير والعمل المناور المخادع، ما فعله المهندس (عبدالرزاق العرادي)، القيادي بالتنظيم والحزب الإخواني، حين تقدم بشكوى إعلامية وفيسبوكية، إلى السيد المستشار، القائم بأعمال النائب العام، ضد السيد فائز السراج رئيس المجلس الرئاسي، ونائبيه السيدين أحمد معيتيق، وعبدالسلام كجمان، (أفتح قوساً هنا لأقول إن ضم كجمان الغلبان عضو تنظيم وحزب الإخوان إلى الشكوى العرادية، هو من باب المخاتلة الإخوانية المعتادة، وذر الرماد في العيون، كي ينخدج السذج والقطيع بموضوعية الإخوان الكاذبة، المكشوفة لمن كانت له بصيرة وبصر)، وضد السيد مصطفى صنع الله، رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، والسيد فرج بومطاري وزير المالية المفوض بحكومة الوفاق.
وأنا بالطبع لا اعتراض عندي البتّة على تقديم هذه الشكوى من هذا الشخص ضد هؤلاء المسؤولين، حتى لو كانت بدوافع حزبية أو عصابية، لا علاقة لها بمصالح الوطن والشعب والدولة، فاللجوء إلى القضاء حق طبيعي ودستوري وقانوني أساسي وأصيل لكل مواطن ليبي، حتى لو كان هذا المواطن يعترف بالأممية الوهمية ولا يعترف بالدولة الوطنية، وحتى لو كان مقيماً في تركيا أكثر مما هو في لـــيـبـيـــا، ومؤيداً لرئيس وسلطات دولة أجنبية يقيم فيها ضيفاً لا مواطناً، وحتى لو كان مثل رجل الأعمال المهندس العرادي الغني الثري ميراثاً أو عرقاً وعملاً، أو من صداقة أمس مع الدكتور البغدادي، ومن رضا حاكم المركزي المتمادي اليوم.
وهذا المواطن القيادي الحزبي الشاكي، مدفوعاً ربما بأطماع السياسة وصراعاتها وحساباتها، لا بدوافع الحرص المجرد المتسامي عن غوايات التدامي والتعامي، لم ولن يتضرر أبداً من إقفال النفط وتوقف صادراته وعائداته، مثلما يتضرر بقية السبعة ملايين تعيس مسكين، إلاّ بضعة مئات من السلطويين والفاشيين والمضاربين والمرابين والمجرمين والمهربين، وعملاء العواصم إعلاميي العهر والفتنة الملاعين.
وهذا الشاكي بمقتضى حق له لا يؤاخذ عليه منطقاً، يمارس فعلاً شعبوياً تحريضياً اعتاده الإخوان، وتجاوزوا في استغلاله كل الحدود المنطقية والأخلاقية إذ ينشر شكواه على مواقع الإنترنت وصفحات التواصل، قبل أن يتسلمها أُصولياً مكتب النائب العام، ويطلب من المواطنين التوقيع عليها، ليحشد وراءه صفاً من التابعين، ربما بغير إحسانٍ ممن تعود الإخوان حشدهم عبر جيوشهم الألكترونية المدفوعة الثمن ديناراً ودولاراً، وعندي شخصياً مع هذا النسق الحزبي الإخواني القطبي تجارب مدادها الزيف والتزوير، ومداها شرهم المستطير الذي أصابني وعائلتي بسبب تحريضهم وتعريضهم وكذبهم وزورهم وتدليسهم وجورهم وفجورهم، مما لم يعترض عليه ولم يندد به عبدالرزاق العرادي ولا كبراء الإخوان، الذين ثبت للأسف أنهم لا يتناهون عن منكر فعلوه، أو فعله بعضهم دون رادع ولا وازع.
يريد السيد العرادي بدعواه الاستعراضية التي تمثل جماعته وحزبه، أن يعلن لليبيين أنهم يريدون استمرار سيطرتهم وحدهم على مصرف ليبيا المركزي، باعتباره الرئة الوحيدة التي يتنفس بها الليبيون، حتى وإن توقف عنها الأكسجين الذي تتنفسه والذي هو النفط، ولا يهمهم إفقار الليبيين ولا تجويعهم، فهذا التضخم الفاحش، وهذا الغلاء القاتل، وهذا العذاب المرير، الذي يعانيه أهل هذي البلاد هو صنعهم الحقير من خلال صنيعتهم الكبير، وخصمهم ليس السراج وحده، بل معه وربما قبله مصطفى صنع الله، الذي غلبت وطنيته هواه فزاغ في نظر الإخوان عن سواء السبيل، وصار عدواً لهم، وخصماً لدوداً، وهو الذي يعرف عنهم ما إذا تكلم به أطبقت سماء الغضب الشعبي على ثرى الكذب الحزبي، والويل حينها لكل أفّاك أثيم.
يا سيد فائز السراج، الأمانة بين يديك، والمسؤولية على عاتقيك، ولك الخيار بين أن تصمد في مواجهة هذا الابتزاز الرخيص، فتحرر المصرف الخارجي الآن وقبل فوات الأوان، وقبل أن ينهار، وقد بدأ الصديق الكبير في تجريفه بسحب الودائع منه ونقلها إلى بنوك خارجية محفوفة بالأخطار، ويستمر إنتاج وتصدير النفط وتُحفظ عوائده لكل الليبيين، لا تصل إليها أيادي اللصوص والمضاربين، وتبقى حتى حين، إلى أن يحين قريباً أوان تحرير مصرف ليبيا المركزي، وإما أن تضعف وتتراجع وهذا ما لا أتمناه منك وما لا أتمناه لك، فالمعركة بين حق الليبيين وباطل المبطلين واضحة كالشمس في رابعة النهار، والحق فيها أبلج كالبدر في صيف البطحاء، والليبيون الذين يريدون أن يعيشوا ومن حقهم أن يعيشوا، يحبون السلام ويكرهون السلاح، ويعبدون الله على يقين، ومن يخدم هذا الشعب بصدق، ويساعده بحقه واجباً تجاهه لا جميلاً عليه، سينال الثناء والدعاء، وكلنا عابرون وراحلون.
هؤلاء الذين أعطتهم دهاليز المناورات الشوهاء، في الغرف السوداء أكثر من حقهم وأكبر من حجمهم بكثير، تضخمت ذواتهم نتيجة ضعف ذات الوطن والوطنيين، ونتيجة تغلغلهم العصابي غير المشروع في مفاصل الدولة، التي أهم ما فيها ليس للأسف شعبها وحضارتها ومكانها ومكانتها، بل خزينة مصرفية مركزية مكتظة بعشرات مليارات الدولارات، لا أحد سوى الحاكم بأمره المحافظ يعلم أين هي، ولا أحد غيره يتصرف فيها بأمر هواه، لا بأمر الحق والعدل، ومصارفها متخمة بأكثر من مائة وثلاثين مليار دينار، لا يصل الليبيون إليها وهي حقهم، إلا إذا اشتروا منها سيولتهم النقدية بهامش ربا وزقوم، يتجاوز ربع قيمة كل دينار يحتاجونه ليشتروا الغذاء والدواء، وذلك بلاء عظيم، لا يباليه الشاكي وجماعته إذ يرفضون كل حل يؤدي إلى عودة الأمور إلى نصابها، تصديراً للنفط وجلباً للعوائد وإنفاقاً عادلاً للأموال، ولا بأس عند هؤلاء المتباكين كذباً على الوطن الذي بكى منهم حقاً وفعلاً، أن تتفجر حروب أخرى يتوقف فيها ليس النفط فقط، بل كل عناصر الحياة والوجود في هذا البلد المفقود، ما دام لا أحد من عائلاتهم وأبنائهم المتنعمين في عواصم ومدن العالم القريب والغريب سيموت (شهيداً) كما يزعمون، فلندن واسطنبول ودالاس وواشنطن ودبي وهاواي، ليست طرابلس وبنغازي ومرزق والزنتان ومصراتة وسرت وحواضر فزان المظلومة، فهناك يوجد الأمان، وهُنا تولد الأحزان، ويذوي الإنسان تعاسة وبؤساً في أُتون الزمان، كأنما حياته ممراً إجبارياً بين ميلاد بلا قيمة وموتٍ بلا معنى.
والحمد لله على كل حال، له وحده الأمر من قبلُ ومن بعد.