الليبي الخارق..

0

من يظن أن ثروة الليبيين تنحصر فقط في النفط والغاز وبعض المعادن الثمينة ، لاشك انه لايعرف الكثير عن ليبيا والليبيين ولم تؤهله نباهته وعقله ان يلتقط جوانب التميز التي تصنع الثراء الليبي ..

أعظم ثروات الإنسان الليبي ، رصيده الهائل من الصبر والمجالدة في الاحتمال والتكيف مع أسوأ الظروف والشروط الاستثنائية المناهضة للحياة بالمطلق والحياة الانسانية على وجه الخصوص..

فهو الكائن البشري الوحيد على ظهر الكوكب القادر في هذه اللحظة التاريخية المغرقة في تقدمها التقني والعلمي ، على العودة إلى العصور الحجرية نفسيا وماديا و معايشة إنقطاع الكهرباء لأكثر من 24 ساعة في اليوم الواحد ..وتأدية وظائفه الحيوية والمعيشية والقيام بمهام عمله الإداري أو الخدمي أو المهني ، ومذاكرة دروسه والتحضير لتحقيقه او استطلاعه الصحفي على ضوء القمر ولهيب الشموع والفنار..دون ان يخالجه يأس او يراوده إحباط أو تخطر بباله فكرة الانتحار او حتى الفرار من قدر الله إلى قدر الله ..

وهو الكائن المتفرد على وجه البسيطة الذي يستطيع في ظل إنعدام الماء وغيابه عن حنفيات المنازل ، النهوض بواجباته الزوجية والوضوء والصلاة وقضاء الحاجة البشرية بإستعمال ” البانقات” و” البداوين” التي يتسولها من جيرانه او المسجد المجاور لبيته..

إنه الكائن الذي فاق ” الجمل” في قدرته الخارقة على الوقوف لساعات وأيام في طوابير المصارف والبنزينة والجوازات ، دون ملل او أنة ألم أو همسة إحتجاج ..

في عقود مضت كان يحلو لليبيين ان يتبادلوا في جلسات صحوهم وسكرهم إعجابهم بقدرة اللبنانيين على إستئناف وتيرة الحياة الطبيعية تحت شرط الحرب والقصف والاغتيال والجريمة حتى إنتهت مأساة لبنان بالطائف والتوافق الذي انتجه إنهاك المتحاربين وجماهيرهم المؤيدة.. اليوم تجاوزنا – في ليبيا – العتبة الاستثنائية التي وصلها الشعب اللبناني في القدرة ليس فقط على تطبيع تفاصيل الحياة في ظل الحرب والصراع الاهلي ..بل في التشبث بأعطاف الحياة التي ترفضنا ، فنحن نتزاوج ونتناسل ونتنافس في ذلك كأن مستقبل الجنس البشري متوقف على قدرتنا في تأمين العدد الكافي من حملة الجنسية الليبية العظيمة ..
ودون مرارة ساخرة في مقام تثمين ثروة الليبيين الهائلة من الصبر والمجالدة ، ما نأمله أن تؤاتينا الفرصة والوقت – إذا ما نجونا من هذا الفخ المحكم – في توظيف هذه الثروة ذات يوم في مسار إيجابي ومنتج يتوخى إيجاد صيغة للتعايش السلمي فيما بيننا بشتى مشاربنا و قبائلنا وجهوياتنا واعراقنا وحساسياتنا الايديولوجية الملتبسة ، بحيث نتقبل إختلاف بعضنا بعضا ، ونخفف من غلواء إعتقادنا بوحدانية الحقيقة ووهم إمتلاكنا لها دونا عن العالمين..
في حياة الشعوب ، التجربة على قسوتها هي المفتاح الرئيسي للمستقبل الافضل وتجاوز العقبات والمختنقات الأساسية التي تعرقل مسيرتها نحو صياغة الهوية المتناغمة ودولة التعايش المشترك والإرتقاء بأسلوب الصراع المجتعمي والسياسي بما يوافق ماتحقق للشعوب المتحضرة من منجزات في هذا السياق ..