تاريخ روما الحديث – الحلقة الثانية

0

في نهاية القرن الخامس , جاء الغزو الغالّي أبّان الهجرات الكبيرة إلى الأراضي الأيطالية من وراء جبال الألب حيث أخضع الغاليون بالتدريج إيطاليا الأتروسكية في الشمال , والترانسبادان في السنوات الأخيرة من القرن الخامس , ثم سيزبادان وسواحل البحر الأدرياتيكي في القرن الرابع ق.م ثم إمتد نفوذهم السياسي إلى جبال الألب حتى بلغ محيط آنكون .

قامو بعدة حملات في شبه الجزيرة الأيطالية كحملتهم ضد روما سنة 390 ق.م إلا أنهم لم يثبتوا بها . إن تطور إيطاليا بكاملها من وجهة النظر العرقية تمثل في الهجرات الأتاليوتية , والفينيتية , والأتروسكية , والأغريقية والغالية . أما من وجهة النظر التاريخية , فقد كان التطور متمثلا في الأمبراطورية الأتروسكية , والأستعمار الأغريقي والغزو الغالي .

هكذا كانت الأحداث السياسية التي سادت من القرن العاشر إلى القرن الرابع قبل المسيح في تاريخ تطورها بكاملها . إن هذه الأحداث السياسية التي ساندت من القرن العاشر إلى القرن الرابع قبل مولد السيدالمسيح في تاريخ تطورها بكاملها . إن هذه الأحداث سنتعرض لها في فترتها الملائمة في أساس تاريخ روما . فتأسيس روما بالصيغة التي يضفيها عليها التقليد يمثل حقيقة مبسطة ورسموتبيانية . فالمؤشر الأصلي الذي يمكن التمسك به هو مولد روما على البالاتين . غير أن تشييد المدينة بحسب التأريخ عن ذلك كان أكثر تعقيدًا .


فقد تم التنفيذ في ثلاث خطوات كانت أولاها القرى الرومانية , ثم الرابطة السبتيمانية , وروما الأتروسكية المتحدة . ثمة حدث أولي وهو حدث يميل إلى إثبات حسن النية لدى الرومانيين في تدوينهم لحولياتهم البدائية بدا غير قابل للجدل . فحسب الرواية الرسمية تم تأسيس المدينة في أواسط القرن الثامن قبل المسيح . إلا أن التقليد الحافظ لذكرى إحدى فترات الأستعمار الداخلي للبالاتين , يقال أنه إغريقي أركادي ومنسوب إلى إيفاندر الشهير , والذي كان فيرجيل قد سُرّ بذكره في كتابه الثامن من موسوعته بعنوان ’’إينيئيد’’. بينما أثبتت الحفريات التي أجريت سنة 1907 م وما نتج عنها من إكتشافات أثرية نزعت الشك باليقين , وأسفرت بغض النظر عن المدينة نفسها وبكل ما تعنيه الكلمة بأن العناصر الأولية لتكوينها ترقى في القدم إلى القرن العاشر ق.م .

وعلي ذلك فإن التراب الروماني شهد التكون التدريجي لسلسلة من القرى . وأن أقدم شاهد عيني هي آثار جرمال بالجزء الشمال شرقي للبالاتين . فأساس الأكواخ البيضاوية , والرباعية , والقبور التي على شكل بئر هي بقايا التحصينات , وتقدم صحة الأثبات على ما سبق ذكره . وعند المقارنة بحضارة اللاتيوم المعاصرة فإن ذلك يشير إلى مستعمرة لاتينية . وهنا نورد وقائع غير قابلة للجدل . لماذا مستعمرة لاتينية . ولماذا القرن العاشر ق.م ؟.

إن الأجابة على هذه الأسئلة تكمن فيها جميع مشاكل قدر روما . فها هي الآثار تمدنا بمعطيات التاريخ العام لأيطاليا في هذه الحقبة اللاتينية وتقدم لنا الأجابة , وها نحن في القرن العاشر قبل المسيح . إن حدثا بمحصلات لا تعد لمستقبل شبه الجزيرة الأيطالية أصبح بارزًا . فالأتروسكيين الذين إنطلقوا من الشرق نزلوا على سواحل البحر الترهياني , وبمجرد إخضاعهم أو طردهم للسكان البدائيين أي الأمبرينيين توغلوا إلى داخل الأقليم الذي أصبح فيما بعد بإسمهم ’’إيتروري’’ ثم أخذ فيما بعد إسم توسكان الحالية . ومن هناك بدؤوا غزواتهم المنتظمة . وعبر إنتصاراتهم الظافرة أصبحوا على مقربة من نهر التبر , وهو الحد الطبيعي والحاجز العسكري للاتيوم .

وبينما كان اللاتينيون مقيمين في حصنهم الطبيعي بحبال ألبينز , أبصروا الخطر القادم الذي فرض حالة ملحة لتجنبه . فهم إن لم يكن لهم بد من الوجود على الخط الأستراتيجي المتمثل في نهر التيبر حيث كانت الميزة المزدوجة ليتمكنوا من تغطية الضفة اللآتينية من جانب , ومراقبة ضفته المقابلة من جانب آخر . كانت الضفة اللاتينية في تلك الفترة عبارة عن متاهة من الأسباخ والغابات لم يشيد الأنسان بها أي مستعمرة دائمة نظرًا لظروفها الجغرافية غير المشجعة .

ترتبت على هذا الحدث الجديد المتمثل في إحتلال الضفة اللاتينية , خسارة إتروسكية بصورة مباشرة . أثار المشهد الطوبوغرافي المتمثل في وجود جزيرة في نهر التبر بهذا القطاع المهدد إنتباه المدافعين من حيث تجزئتها لأتعاب عبور النهر وهو ما يمثل تسهيلا للهجوم من جانب العدو القائم على الضفة المقابلة . كان لابد من حماية هذه النقطة الحساسة وبأي ثمن. فالأرتسام الجغرافي للأراضي المجاورة كان ملائمًا لتسهيل المهمة .

على واجهة الضفة المقابلة للضفة اليسرى لنهر التيبر , إقتطع الأنجراف الطبيعي مجموعةً من التلال في الفليس رسوبي التكوين الطبيعي وهي : البالاتين ـ والكابيتول ـ والكويرينال ـ والأسكيلين ـ والكائيليوس ـ والأفانتين , وكانت هذه التلال او الهضاب تستخدم ثارة كنقاط مراقبة , وثارة أخرى كخط دفاع من الدرجة الأولى عند الضرورة . فهناك على التلال ومقابل نقطة العبور المحتمل والبارزة في الطبيعة ذاتها , وبالمكان الذي كان يجيد اللاتينيون معرفته من حيث أنه كان منتجع رعيهم , كان على اللاتيوميين أن يضعوا فيه مقدمة حرسهم . أثبتت الأكتشافات على التراب الروماني تأكيد الأحساس بشرف الحقيقة الطوبوغرافية والعسكرية حيث لامجال للنقص . وهكذا فإن التاريخ التقليدي الذي يبرز روما كمستعمرة لأيلب حقق إثباته البيّن وهو :

أن الأصل لاتيني ويعود إلى القرن العاشر قبل الميلاد وهاتان نقطتين مكتسبتين . ويبقى هنا سؤال أخير ألا وهو , لماذا تم إختيار البالاتين من بين التلال الرومانية ؟ إن الأجابة بارزة على الأرض . فالنقطة الحساسة بجوار النهر سواءً كانت للمراقبة أو الأكتشاف , فهي توفّر إنعزال شبه كامل وحماية فريدة متمثلة في وعورة الأنحدار هذا إلى جانب وجود الأسباخ التي تغمر الوديان المحيطة وتضمن الأمداد بفضل وجود مضيق طبيعي مكون من كثرة مجاري المياه , كل ما سبق جعل من التلة موقعًا إستراتيجيًا ومركزًا دفاعيًا متميزًا جعله جديرًا بالأختيار . هذا هو السبب الذي جعل روما اللآتينية تجابه الخطر الأتروسكي من قمة البالاتين في يوم من أيام القرن العاشر قبل مولد المسيح .

كان البالاتين البدائي عبارة عن تلتين متميزتين ومنفصلتين بمنخفض مركزي , الجرمال بالشمال الغربي , والبلاتوال بالجنوب الشرقي . وعلى الجرمال الجزء الذي يسوده منخفض الفيلابر إستقر المزارعون الألبان . إن ذكريات هذه القرية الأولى التي تم تأسيسها على التراب الروماني ستبقى في تقليد الرومانيين بإسم

روما الرباعية . كان الألبان بمثابة الأبناء الضائعين . وضعوهم في حراسة التيبر ناقلين معهم العناصر الأساسية لحضارتهم المتئصلة وهي الحضارة اللاتينية المعاصرة والمتمثلة في الحياة الرعوية وملجأ القرية ذو الرقعة الرباعية أي الحضارة الأولى للعصر الحديدي . لا تزيد رقعة جرمال التي أسفرت عنها الدراسة الطوبوغرافية المحلية والكشوفات الأثرية عن 70000 مترمربع محاطة بسور من التراب والطين معزز بالقصب لضمان دفاعها ضد الهجمات التي كانت تتعرض لها من الخارج . كان الناس يسكنون في أكواخ على شكل بيضي أو مربع تسمى توجوريوم ملحق بها حيز للحيوانات وحديقة بقوليات لأحتياجات الأسرة وقبور على شكل بئر لدفن الموتى و يقطنها عدد لا يزيد عن بضع مئات من الناس. هذه هي بداية العاصمة المستقبلية للعالم .

إن قرية جيرمال اللاّتينية لن تبقى معزولة لوقت طويل في قلعتها البالاتينية , فمنذ القرن العاشر ق.م أو بعد ذلك بقليل نشأت قرية ثانية أصبحت تعطي التلة الغربية للأسكوين وهي الفاجوتال . وعبر القرن التاسع أو الثامن تمكنا من تحديد موقع أكيد لآثار سلسلة من القرى كانت مشيدة على تلال أخرى بالتراب الروماني مثل البلاتوال على الجنوب الشرقي من تلة البالاتين ـ وقرى سيسبيوس ـ والأبيوس على الأسكويلين ـ والكيركيتول ـ والكيركتوال على نهر الكائيليوس ـ وأخيرًا قرية فيليا . هذه القرى كباكرتها بما فيها قرية الجرمال ذاتها هي قرى لاتينية الأصل بإستثناء قرية واحدة مهمة هي قرية ’’كويرينال ـ فيمينال’’ التي شيدها السابينيون .

لو أن مساحة قريتي الفاجوتال والبالاتوال أبدت أنها قريبة في مساحتها من قرية الجرمال أي 60000 متر مربع , للأولى , و 70000 متر مربع للثانية , وأن مساحة قرية فيليا لاتزيد عن 30000 متر مربع , فإن القرى المحيطة مثل أبيوس تبلغ 150000 متر مربع , والكويرينال 40000 متر مربع , فهي تشكل مساحة أكبر مما ممكن تسييجها من أرض مزروعة وغابات . إن إسم فاجوتال يذكر بهضبة شجر الزان , وفيمينال بهضبة الصفصاف , وكيريكتوال بهضبة البلوط , وجميعها يُذكّربعدم بلوغ كثافتها السكانية حدا متناسبًا , فأحياؤها مثلما في جرمال كانوا يعيشون في أكواخ دائرية بجدران من نبات الأسل والتبن ومدعمة بأوتاد وعصي , وتغطي واجهتيها بطبقتين من الطين ولكل منها حصن منحصر في خلوة عسكرية ومركز ديني .

أما على الجانب الأجتماعي فالقبيلة كانت مكونة من العائلات البدائية بكل ما تعنيه الكلمة , وكانت هي الدولة غير القابلة للتجزئة . أما من الناحية السياسية كانت هناك الملكية الوراثية لمدى الحياة ومجلس أعيان , ومجلس نواب . وكشفت البحوث التي أجريت فيما بين سنتي 1902 ـ 1903 م , في كويرينال والأبيوس , والسيسبيون , وعلى الخصوص في مقابر الفاجوتال , كشفت لنا عن نمط الحياة والحضارة في هذه القرى البدائية , فالذهب والفضة كانا نادرين , بينما كان البرونز هو المعدن الأكثر وفرة و يستخدم في صنع الأسلحة مثل رؤوس الرماح , وشفرات السيوف ومعدات الحلاقة ومشابك الأثواب .

أما الحديد فكان أقل شيوعًا مما يدل على الحقبة الأولى للعصر الحديدي بكل الأماكن ويستخدم في أعمال مماثلة . هذا إلى جانب إستخدام الخزف المحلي من الطين القاتم في أعمال بدائية غير متقنة , وكانت التجارة متماثلة في إستيراد العنبر على شكل قلائد وأقراص تستخدم لتزيين الأثواب . أمّا الكتابة فيبدو أنها كانت مجهولة , إذ لم يتضح لها أثر على التراب الروماني قبل نهاية القرن السابع أو بداية القرن السادس . أما الآبار الدائرية كانت مكان للأموات بعد تحريق الجثامين .

منذ بداية القرن الثامن ق.م بدأ تحول كبير في حياة القرى الرومانية . إنه العبور من حياة العزلة القروية إلى الحياة الفيدرالية .

يتبع الجزء (3)

ترجمة رمضان الجبو