تاريخ روما الحديث – الحلقة الأولى

التاريخ الروماني

0

الأستاذ ليون أومو التاريخ الروماني الحديث ـ  ترجمة فريق بحار رمضان الجبو

من القرى الرومانية إلى الأمبراطورية المتوسطية

طفولة روما


في قديم الزمان كان يبدو على مجموعة من القرى الفقيرة والمنزوية على هضاب المنحدرات في أسباخ نهر التيبر وكأنها من دون مستقبل، مضت عدة قرون ثم حققت هذه القرى المحرومة وحدة إيطاليا وسيطرت على حوض البحر المتوسط لتؤسس الأمبراطورية االأكبر قوة في عصرها , والتي لم يسبق للعالم أن شهد مثيل لها .

هل هذه أسطورة ؟ بالتأكيد لا , بل إنها بكل بساطة تاريخ , إنه تاريخ روما ، ففي اللحظة التي توجه فيها فيرجيل بمخطط نظرته لمستقبل الشعب الروماني ، مبينًا فيه طبيعة رسالته ، وحيث وهبه المؤرخ تيت ـ ليف الملحمة الأكثر روعة في نثره والذي لم يسبق لوطن إنساني أن يكون هدفًا له ، مضى على روما آنذاك عشرة قرون على الأقل من تاريخها الرسمي وعقيدتها وهما اللذان دونهما لنا مؤرخوا الأمبراطورية , ونختصرهما هنا في خطوط أساسية .

مضى الأمير الطروادي إيني هاربا من الدمار الذي حل بوطنه، وبعد معيشة لزمن طويل عبر المتوسط نزل على سواحل لاتيوم وسط الساحل الغربي لأيطاليا حيث كانت مملكة لاتينوس ، عقد الأمير معاهدة تحالف مع الملك لاتينوس وتزوج من إبنته لافينيا ، قدم إسكاني إبن إيني برفقة والده من طروادة وأسس مدينة ألب التي توالى على حكمها من بعده عدد كبيرمن ملوك سلالته.

من بين ملوك السلالة بروكاس الذي ترك إبنين هما نوميتور وأموليوس ، نوميتور هو الأبن الأكبر والوريث الشرعي للحكم الذي إنتزعه منه أخاه أموليوس ، وعزل إبنته رهيا سيلفا بإقصائها عن الفيستال ، وعلى الرغم من هذا التحفظ , كان لراهيا سيلفا إبنين توأمين هما رومولوس وريموس ، ألقى أموليوس الأبنين في مياه نهر تيبير للتخلص منهما ، وعندما كبر الأبناء قتلو أموليوس وأعادوا السلطة لأخاه نوميتور الذي وهبهم بدوره , المكان الذي جرى إستقبالهم فيه لتأسيس مدينة في تلة بالاتين ، بهذه المقدمة يتوالى القدر الحتمي للتاريخ الروماني  والذي ما كان له أن يولد من دونها  ألا وهو تأسيس روما .

المؤرخ الأغريقي بلوتارك الذي عاش في القرن الثاني سنة125 ب.م قام برسم لوحة متكاملة في رؤيته لحياة رومولوس بتفاصيلها فيقول :«إنشغل رومولوس ببناء المدينة وجلب رجال من توسكان ليعلموه إقامة إحتفالات الطقوس التي كان عليه أن يراعيها كإحتفالات بالظواهر الطبيعية الغامضة . قاموا بحفر خندق …. ورموا فيه بعدها بعينات من كل شيء خيّرٌ وضروري ثم رش كل واحد منهم بحفنة من تراب البلد الذي قدم منه على ما كان بالخندق الذي جرى خلط كل ما إحتواه بالتراب . أُّطلق على الخندق إسم موندوس mundus وتعني العالم .

ثم قام المؤسس برسم خط حد المدينة في شكل دائرة حول الخندق . ركّب بعدها سكة من البرنز بالمحراث وأوثقه ببقرة وثور . شق بالمحراث خطًا وكان يتبعه رجال أخذوا ينزعون التراب الذي جرفه المحراث ويزيحونه إلى داخل محيط السور . أصبح خط المحراث هو أساس حد السو أما البوابات فقد كان المؤسس يحددها برفع المحراث لمسافة تسع للبوابة ثم يعيد بعدها غرسه في الأرض . وقد إتّفق على أن روما تأسست في الحادي عشر من مايو بالتقويم القديم (كالاند) الموافق للواحد والعشرين من شهر أبريل , وهو اليوم الذي لا زال الرومان في وقتنا الحاضر يسمونه يوم مولد وطنهم ».

تأسست مدينة روما وتداول السلطة بها ستة ملوك . كان رومولوس ملكٌ محارب نجح في كسب معارك ضد الشعوب المجاورة من السينيانيين والأنتمناتيين والسابينيين والذين أدى إستلاؤهم الشهيرعلى بلدهم سابين , إلى إقامة تحالف وتقسيم سلطة شعوبهم المتصالحة بين الملكين رومولوس , و ت. تاتيوس . قدّم بومبيليوس وريث رومولوس وهو ملك سابيني مسالم ومشرّع قدّم للدولة دستور مدني وديني . وعاد الغزو مع تولي الملك الثالث تولّوس هويتيليوس .

دخلت روما في صراع مع حاضرتها وتمكنت من إخضاع إلب على إثر تمرد , وقام أنكوس مارسيوس وهو سابيني بسلوك نهج سلمي تقليدي لوطنه ’’نوما’’ فدوّن نصوص نظام قانوني وأسس مستعمرة أوستي عند مصب نهر تيبر .

إنتهت سلسلة الملوك بثلاثة ملوك إتروسكيين وهم : تاركوين لانسيان ـ وسيرفيوس توليوس ـ وتاركوين سوبيرب . قدّم تاركوين لانسيان إلى روما النفوذ والطقوس الأتروسكية وحقق أعمالاً ذات طابع مدني , وأدخل على المدينة العديد من التحسينات كتجفيف الساحة وبناء شبكة المجاري , ومد نفوذ القوة الرومانية في لاتيوم . أما سيرفيوس توليوس فقد نقّح دستورالدولة وإعتمد النتائج التي تحققت في الخارج بتنظيم الفيدرالية اللاتينية بما في ذلك المعبد الفيدرالي ’’ ديان’’حديث البناء على الأفنتين ليصبح مركز المدينة . بينما تاركوين لو سوبيرب قدم لروما نظام إستبدادي حيث نشر الهيمنة الرومانية بحروبه ضد الفولسكيين وأنشأ المستعمرات التي خصصها لأحتواء المنهزمين . أما على الصعيد الداخلي فهو توجيهه ضربة للأرستوقراطية كما سبب الأستياء العام بمبالغته في الأعباء العسكرية والمالية .

وهنا أي المقاييس في السرد التقليدي بإمكانها أن تحقق الأجابة على الحقائق التاريخية ؟ من أجل رؤية واضحة وما دامت المسئلة ممكنة من الملائم هنا وقبل كل شيء أن نبدد غموضًا أساسيًا , فالأسطورة والتاريخ بالنسبة لعقولنا الحديثة يتعارضان إلى حدّ التطرف , فالأسطورة تنبثق عن الخيال بينما التاريخ يأتي من الواقع . وقدامى المؤرخين مثل سالوست أو تاسيت كانت لديهم فكرة مختلفة تماما عن التقليد التاريخي .

ولنتناول الضمير المهني الذي يقدمه لنا المؤرخ تيت ـ ليف في مطلع مؤلفه عن التاريخ الروماني إذ يقول : «إن ما تم سرده عن العصر الذي سبق تأسيس روما , وهو عصر عرفنا عنه من الأساطير الشعرية أكثر منه عن الآثار التاريخية غير القابلة للجدل لا أستطيع لا تأكيده ولا عدم إثباته . إن دمج الأشياء الغيبية والأنسانية كان ميزة العصور القديمة في تعظيم المدن بأصلها وإدخال عنصرالألوهة فيه . فإذا ما إستطاع مجتمعٌ ما أن يؤلّه أصوله ويعود بها إلى آلهـة فإن ذلك شبيه بالمجد العسكري للمجتمع الروماني الذي سلّمت به جميع الأمم والذي إدّعى أن رومولوس أتى به من المريخ , فهو لا يزيد عن كونه مجرد هيمنة . وعليه فإن جميع هذه الأساطير لن أجعلها محل نقاش هنا».

أما فيما يتعلق بالتقاليد المختلفة ذات العلاقة , فإن المؤرخ كورتيوس قال :« لن أدّخر وسعًا في تحمل المشاق إن وُجد مسار يؤدي إلى المصداقية التامة , فلا مناص في الوقت الحاضر من التعويل على التقاليد ».

اقرا ايضا

وعلى جانب آخر وعلى ضوء هذه الأرتيابية التي لها مبررها بهذا القدر فإن تيت ـ ليف ليس له الأستئثار في رثاء الماضي على ضوء مابّينه سيسيرون إذ قال : « إن الرثاء ملأ تاريخنا بالأكاذيب , فهو يحكي عن أحداثٍ لم يكن لها وجود وإنتصارات خيالية وحكام مبالغ في تعدادهم , وسلالات مزيفة الأنساب , وتحولات مزيفة إلى الدهماء . إقتلعت مواليد رجال من أسر غامضة ونسبتهم إلى أسرٍ شهيرة تحمل نفس الأسم كما لو قلت فلان من أصل م . توليوس الذي كان نبيلاً وحكم مع سيرفيو سيلبيسيوس لعشر سنين بعد طرد الملوك » .

وهنا يجب أن نأخذ في الحسبان أيضا الأساليب الجديدة في التفسير والتي بإمكانها سرد الأصل على ضوء علم الأساطير . فهذه الأساطير الرومانية نشأت مثل المآثر السلتية أوالجرمانية من ديانة هندوـ أوربية بدائية . وصاحب هذا التفسير هو م.دوميزيل الذي وجد تشابهًا بين المجتمع البراهميني المنتظم في الثلاثية الطبقية المتمثلة في الرهبان والمحاربين والمربين الفلاحيين , والكهنوتيات الرومانية الثلاثة المتمثلة في كهنة كوكب المشتري وكهنة كوكب مارس ثم الكويرينوس حيث كانت هذه الآهوتيات الثلاث تسود الثلاث وظائف الأجتماعية والجوهرية في روما .

وتنسب الأسطورة إلى رومولوس , أنه هو الذي صنّف المجتمع إلى ثلاث قبائل هي الرامن , واللوسير, والتاتيانس أو التيتي في نظام وظيفي بدائي . وسنحتفظ هنا وعلى وجه الخصوص بأحد الميول المتميزة للأسلوب الروماني في تدوين الأساطير . وهوتاريخ الخرافات الذي يحول مجموع إختلاقات أسطورية إلى حوليات أكثر توغلاً في الماضي .

إن السبيل الموصل عبر متاهة الحقيقة والأسطورة التي يمثلها تاريخ روما البدائية زوّدنا بحدث تاريخي كبير . فخلال الستة قرون وأكثر من فترة طفولتها الطويلة لم تكن روما تقود بل كانت مقادة . فالمبادرة كانت لتاريخ عموم إيطاليا وروما كانت تعاني فيه من تسجيل المضاعفات .

عند مولد روما في القرن العاشر قبل مولد المسيح , كان مجتمع الأيتالوت يمتلك شبه الجزيرة الأيطالية . جاؤوا إليها من وسط أوربا عبر مرتفعات الألب ووديان ’’بو’’ وأخضعوا أو طردوا المجتمعات البدائية التي كانت تقطن جنوب شرق منطقة الغال وخليج جينوه . طردوهم لينتشروا في جبال الألب وسلسلة جبال الأبنين الممتدة من الشمال إلى الجنوب الأيطالي , وفي موجات متتالية زحف الأيتالوت صوب الجنوب وإستولوا على كامل شبه الجزيرة . كانوا في مجموعتين أساسيتين ويتكلمون بلهجتين عاميتين من لغة واحدة مشتركة .

هاتين المجموعتين كانتا تضمان الأمبروسابليك ـ والأومبريانيين ـ والسابينيين ـ والبيسانتيين ـ والفيستينيين ـ والمارسيين ـ والسامنيتيين ـ واللوكانيين ، إنتشروا في المناطق الممتدة من جبال الألب شمال إلى كالابر جنوبًا ، بينما إستقر اللاتينيون جنوب نهر التيبر وهو الوطن الذي فيما بعد سيحمل أسمهم ، ومن وجهة النظر السياسية والعرقية.. سبق وأن نشأت إضطرابات بسبب هجرات جديدة مثل الفينيقيين بالشمال الشرقي , والأيابيجيين في الجنوب والأتروسكيين في الشرق .

كان الفينيتيين والأيابيج يشكلان مجتمعين من أصل إليري . جاؤوا عبر اليابسة وإستقروا في الأقليم الذي أخذ أسمهم ’’فينيتي’’ . بينما إستقر الأيابيج في كالابر بالمنطقة الممتدة من جنوب جبل جارجانو إلى الشناخ الجبلي الأيابيجي . أما فيما يخص الأتروسكيين فهم جاؤوا من الشرق عبر البحر ونزلواعلى سواحل البحر الترهياني في نهاية القرن الحادي عشر قبل مولد المسيح , أو في السنوات الأوائل من القرن العاشر .

فيما تبع ذلك من قرون وأبان النمو البطيء لروما جدّت ثلاثة أحداث أثرت في الساحة وهي : التوسع الأتروسكي والأستعمار الأغريقي , والغزو الغالّي . ففي بداية القرن السابع قبل المسيح بلغ الأحتلاب التدريجي للأقليم الأتروسكي أي إقليم توسكان حاليًا , وبالأحرى جزء كبير من أومبري وحدوده الطبيعية بالنسبة للأتروسكيين تبدأ بالأتساع تارة صوب الشمال وأخرى صوب الجنوب .

وصل الأتروسكيون في أواسط القرن السابع أولا إلى كامباني التي حققوا غزوها في القرن السادس ثم تقدموا في زحفهم إلى أن بلغوا جبال الألب محتلين بطريقة منهجية كامل سهل ’’بو’’ . هناك وفي تلك الحقبة نشأت إمبراطورية إتروسكية واسعة وكانت بفضل إمتدادها وقوتها تمارس الهيمنة الحقيقية على كامل شبه الجزيرة الأيطالية ، أخذت هذه الأمبراطورية في التقهقر بنهاية القرن السادس ليتسارع تقهقرها في القرنين الخامس والرابع , وليكتمل في القرن الثالث ق .م بالغزو الروماني .

برز الأغريق في جنوب إيطاليا منذ نهاية القرن التاسع ق.م . وتعود المبادرة للخالكيديين , إما في تلك الآونة أو فيما بعدها أوائل القرن الثامن , حيث أسسوا مدينة كيوما في الفترة التي كان يمتد فيها االعهد الأغريقي صوب الشمال , وإستقروا هناك , حيث كان آنذاك يجري إستعمار المناطق الساحلية تارة من جانب الخالكيديين , وأخرى من جانب الأخيئيين , والدوريانيين , وإستمر خلال القرنين الثامن والسابع , من أجل بناء المدن الجديدة التي أهمها , تارينت , وميتابونت ,وكروتون , ولوكروسيباريس .

أما فيما يتعلق بالمجتمعات السكانية من أصل الأيتالوت أو الأيابيج التي كانت تقطن دواخل شبه الجزيرة فلم يكن لها غير الأنحناء أمام التفوق المادي والمعنوي للقادمين الجدد فالبعض منهم أخذو كعبيد , أما البعض الآخر فلجؤوا إلى الجبال الداخلية .

يتبع الحلقة (2)

ترجمة / رمضان الجبو