عند الانتخابات يُكرم المرء أو يُهان!

0

أحمد الفيتوري

إن الذي يتكرر هو الذي ليس له بديل. دولوز

في سومطرة كان أحدهم يرغب في الحصول على درجة الدكتوراه في علم التنبؤ. سألهُ العراف الذي يقوم بامتحانه إذا ما كان سيفشل أم سينجح في الاختبار. وأجاب المرشح بأنه سيفشل. بورخيس

1-

مما نقل عن كتاب مايكل وولف (النار والغضب داخل بيت ترامب) ما أثار ضجيجا يصمُ العقل: أن ترامب – وراءه عائلته وزمرته- لم يدخل الانتخابات للفوز بكرسي الرئاسة، ولا كان ذلك في الحسبان بل إنه خارج التوقعات والحلم، خاض ترامب الانتخابات للدعاية و”الشو” الاستعراض. لكن تأتي الرياح بما لا تتوقع الاستبيانات والاستفتاءات… أي أن من تنبأ العرافون بفشله ومن لم يَتُق للنجاح نجح. بذا تتمظهر الانتخابات كما النرد وصندوق الاقتراع صندوق الدنيا.

هذا بالطبع حيث ثمة بديل ممكن وما عداه يعنى تكرار الحاصل، فما الذي يعنيه ذلكم؟

ذلكم يعني أن ثمة معطيات في الواقع وركائز جلية واضحة تقول إن ليس ثمة بديلا، عندها ستكون الانتخابات تحصيل حاصل، بمعنى تثبيت الواقع بالانتخابات كوسيلة فُضلى لقبول الحال.

إذا عدنا إلى الانتخابات العربية في بلد كلبنان مثلا فإننا نجدها كما تجديد أو بيعة لأن لبنان/ الدولة مبني على أسس لا ديمقراطية وإن اتخذ الديمقراطية كوسيلة. وهكذا لبنان دولة الانتخابات الفاشلة في التغيير، هذا من لزوم ما يلزم أي أن النتيجة مُضمرة في العملية الانتخابية ذاتها. وأما في بلاد عربية أخرى كالجزائر مثلا فالانتخابات مجرد قناع ولعبة تمارس عند اقتضاء الحال، في حين أن تونس تقوم انتخاباتها على مرتكز أساس هو “الوفاق”، ما حوصل في “لقاء الشيخين: السبسي والغنوشي”، ما تمظهر في الدستور الذي هو خلطة من النظامين الرئاسي والبرلماني، والانتخابات القادمة ستفضح عُوار هكذا وفاق.

2-

أذكر في مطلع تسعينيات القرن الماضي أن “القذافي” أراد أن تصدر مجلة معارضة التي صدرت تحت مسمى “لا”، وكنت ممن كُلفوا بتأسيسها!، هذا ما استدعى أن أكون في مكتب أمين اللجنة الشعبية للإعلام والثقافة أي الوزير، كان أوانها من يدعى المهندس “على بوجازية”. كنت رفقة الأستاذ “أمين مازن” أمين رابطة الكتاب والأدباء في مكتب “بوجازية” هذا، من أخذ يتحدث دون داع عن الانتخابات وعن زيفها بتزوير نتائج صناديق الاقتراع مما يجعلهم ينأون عنها، قاطعهُ أمين مازن بقوة: يا سيدي أنتم أقيموا الانتخابات وزوروها وإننا لقابلون. وهو يتحدث مُدركا أن الانتخابات في العهد الملكي كثيرا ما كانت تُزور بشكل وآخر، لكنها انتخابات فاضحة للنظام ما دمغ بالتزوير، وما حينا كف عن لعبته هذه تحت ضغط شعبي وخارجي ومن لزوم ما يلزم.

لكن لعقود أربعة مُنع الليبيون من هذا الاستحقاق زمن النظام الفاشي ما غبَ إسقاطه خيضت انتخابات ثلاثة نتائجها أذهلت القاصي والداني.

أبواب الانتخابات بكل يد مضرجة تُدق، كأنها طوق النجاة الأخير من يهرب إليه بإجماع غير مسبوق ووفاق

الآن أبواب الانتخابات بكل يد مضرجة تُدق، كأنها طوق النجاة الأخير من يهرب إليه بإجماع غير مسبوق ووفاق، المبعوث السامي للأمم المتحدة في ليبيا خارطة طريقه في كلمة “الانتخابات”، كذا أعداء الديمقراطية من مدنيين وعسكريين تعويذتهم “الانتخابات”، التي هي حالة الهروب إلى الأمام ما محصلتها في جيب من يمسكون بجيوب الأرض في ليبيا، وهذا حاصل بدعم دولي – ورضوخ إقليمي- تنفذه الأمم المتحدة عبر مندوبيتها في ليبيا.

مشروع الدولة
أي أن – كما وضحنا في المقالة السابقة “كل انتخابات وأنتم بخير”-الذي يتكرر هو الذي ليس له بديل كما يري الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز. وعليه فإن المندوب السامي يكرر ويوكد بأن على الجميع القبول بالنتائج المعروفة سلفا لأنه في الأخير: تجني ما تحصد، ومن زرع الباذنجان لن يحصد تفاحا.

وهذه الانتخابات المرتقبة في ليبيا لا أعتقد أنه ثمة مُكنة لتزويرها، ولا أيضا ثمة داع لذلك لأن المرشحين للفوز هم كذلك بالضرورة، فالانتخابات القادمة نُوكد مرة أخرى: وسيلة ديمقراطية لحالة لا ديمقراطية، يقوم فيها صندوق الاقتراع بتجسير الانتقال من حالة اللا دولة إلى مشروع الدولة. وإن نجح الليبيون في الذهاب للمرة الرابعة من خلال هذا الجسر فهم سيخرجون من غريق يتنفسون الصعداء، بذا سيغالبون ويغلبون أنفسهم، فمسألة الانتخابات الرابعة في حال ليبيا من المستحيلات الأربعة في ظرف اللا حرب واللا سلم رغم المناوشات هنا وهنا، وفي حال ما بعد داعش تكون الانتخابات الجهاد الأكبر…

 

 

يمكنك قراءة الخبر في مصدره صحيفة بوابة الوسط