يوم في موطن جدي عبدالهادي ..

0

مبررات عدة إستوجبت الفرار إلي خلاء موطن جدي والد أمي رحمهما الله، وذلك بغوط القمح بالأرض ( المحرمة ) ، كما تقاضي الخرافات عند ضريح سيدي ( باكير ) طيب الله ثراه، ذلك ( الرضيع ) الورع الزاهد القادم من بلاد ( شنقيط ) ، كما تزعم رواية الأسطورة المتوارثة لدى خوالي ( عيت مريم ) الذين ما فتئوا يحافظون علي طقوس ( الحول ) ولو في أسوأ الظروف الجوية … يقومون بإستحقاقات الضيافة وتابعات الإحتفال السنوي بمولد ( الولي ) وموته معاً ..

نتيجة لإفتقار منظومة الرقم الوطني بالأزمنة الغابرة ، والتي أسهمت بتغيير الديموغرافيا والإعتقاد معاً ، بفضل هجرات ( التقاة ) .. هذه العادة الربيعية ( المباركة ) تجذب الفرسان والضيوف الفقراء ، حيث حرص ( خوالي ) علي حسن إعداد الولائم والأطعمة المتنوعة المحلية بأيدي ( خالاتي ) … توافقياً وتمشياً مع مدلولات رمزية الإرث السنوي ، والروحانيات المتجلية علي المكان الواقع علي تخوم ( جرجار أمه ) حسب رصد الأقمار الإصطناعية ، وإحداثيات ( الناتو ) قبل نبش قبر ( الشيخ ) من الدواعش ، بعيداً عن مشاق قطع الكهرباء ، وقطع الصِّلة بين الشرق والغرب ، وملل الحديث عن رحلات ( غسان سلامة ) المكوكية بين مجلس النواب ، والدولة ، وإرتفاع الأسعار وهموم البحث عن ( الڤيزا ) والمبالغة برفع ثمن رغيف الخبز ، وثرثرة من يعتبرون أنفسهم ساسة ، وعمليات السطو الممنهجة علي الثروة … وسباق الدفع المسبق لشراء الذمم ، وإنتشار ظاهرة الرشوة ، وفقدان موضوعية التفريق بين العمالة .. والنضال ..!!

بعيداً عن الأخبار المحبطة من القنوات الفضائية والأحداث المؤسفة ، والاتصالات الرديئة لشبكة لبيانا والمدار …

وإستنزاف ( المحفظة ) الشخصية ومحفظة الاستثمارات الخارجية … التي يتصارع عليها الكل … بعيداً عن شبهات الأجراس التي تقرع بغفلة ( العقلاء ) منذرةً بتقسيم ليبيا عاجلاً أو آجلاً !! بعيداً عن تنامي أرق أولياء الدم .. والتخوف القائم من ردود فعل رفاق الشهداء والجرحى من مكابرة ( عوالة الرجمة ) علي الإستحقاقات الإنسانية والأدبية ..

في ظل توسع ( الإحتقان ) والإقدام علي إستنساخ ملحمة ( كرر ياعلاء ) في الحروب القادمة علي دواعش المال العام ، بإستنهاض منهج ( الورفلي ) ورفاقه ..!! لا ريب

ذهبت إلى موطن ( جدي ) في زيارة مفاجئة ، دون ترتيبات رسمية … وغير مرغوبة نتيجة إرتياب بعض ( المخلوقات ) من وجودي الفضولي ، كما حدث ل ( ترمب ) في زيارته لبريطانيا .. من خجول وإستحياء عرف مراسم إستقباله الرسمي في عاصمة الضباب الغاضبة ، بفعل ضغوطات الشعب الواعي بقدرته علي مجلس العموم والحكومة .. وصلت المكان سيراً علي الأقدام وبشق الأنفس عبر الممرات الصخرية الوعرة ووسط أشجار البطوم والبربش المكتظة ، وفي وهج درجة حرارة مرتفعة قياساً علي ( همة ) الليبيين المفترضة ..! تجمعت أعداد كبيرة من الذباب كبير الحجم ، المفترس عادة لجراح الحمير والمخلفات الحيوانية والبشرية .. والمتواجد بالمغارات الباردة رفقة ( الدلدل ) ، إنقض الذباب علي جسدي المنهك ، ملامساً عرقي المنهمر في نهم غريب .. مما أجبرني علي قطع غصن من ًشجرة عرعار لطرد أسراب الذباب من علي وجهي النازف ..! فجأة ركض أمامي ( عجل ) مارق عن نظام الميراد ، فقد والديه بسبب سوء سلوكه مع أصحاب الزروع .. حيث أبعد قصرياً ، وصدرت بحقه بطاقة حمراء دولية ، كإرهابي لمداهمته الزرع .

دون معرفة مسبقة إستقبلني ( حمار ) ينحدر من سلالة ( حمار )جدي عبدالهادي !! تفحص وجهي جيداً بإمتعاض وشكوك حول خلفية قدومي المريب .

علي كل حال ، حرك الحمار أذنيه الطويلتين مع تصاعد سحابة من العجاج ، وجدد تفحصه لشخصي ، ثم أطلق نهقة مدوية تردد صداها بين الوديان والشعاب المجردة من الغابات بفعل سطوة ( الفحامة ) .. ! محذراً المخلوقات الأخري من خطورة إنتهاك ( السيادة ) في الميراد ، مما أثار حفيظة وهلع مجموعة من الكلاب الضالة والأليفة متطرفة التوجهات وتباين مصالحها وفق أجندات دولية وإقليمية … تحت غطاء وواجهة ( الدفاع ) عن ( الغوط ) وتجديد المعاهدة مع الذئاب ، فهرعت صوبي متوعدة بأبيات الفتك .. ومنهجية النباح الإعلامي برداء ( النضال ) دون شفقة للإطاحة بي وبمشروع زيارتي لموطن جدي دون ترتيبات أمنية مسبقة . الكلاب تصنف الزيارة بأنها إختراق أمني وتعدٍ علي سيادتها علي المكان ، وتجاوز للبوابات الوهمية وطرق تهريب عظام ( الجيف ) .!!

قابلني ( فلو ) تائه عن بقية الخيول وبدون هوية وأوراق تعريف ، يبحث عن زوجة علي عيون وآبار المشعوب أو جرجار أمه … حاولت إستيقافه لكنه ركض مسرعاً في إتجاه رائحة العذارى الصافنات .. تتبعت مسارب أرتال مجموعات من النمل المتعاقبة علي جحورها .. لنقل مدخرات غذائية إستعداداً لزمهرير الشتاء ، دون إتكالية أو إنتظار مساعدات من الصليب الأحمر أو المعونات الدولية ، لأن من أولويات هذه الأمة ( النمل ) هو الاعتماد علي النفس والعمل وتحدي الصعاب ..! عدة أسراب من ممالك ( النحل ) إستنفرت بدورها فرقها الانتحارية ومقاتليها لإبعادي عن دولة تعايش المخلوقات الغير ( آدمية ) ، دون تقاعس أو تردد أو خيانة ، فالحرية لدي هذه المخلوقات مستنبطة من صور الصراع من أجل البقاء دون تفريط .

سلحفاة ( مستقلة ) الرؤى ، علي ظهرها الهرم تظهر معالم السنين الغابرة .. وآثار الحكمة .. متنقلة ببطء شديد .. إستوقفها وجودي علي قارعة طريقها .. بحكمة تجربتها الطويلة في الحياة ، نصحتني بالعودة الي عالمي البشري المتناقض ، المشحون بالعداوة والمزايدة والنرجسية ( العقلية .. !!

ثم كررت إمتعاضها من غلظتي كبشر مكرم سماوياً ، حينما قاطعتها كمخلوق متميز عن سائر المخلوقات … أطلت برأسها وإلتفتت نحوي ، وقالت : أنتم لا تستحقون الحياة ، ذلك وفق وصفها وتقييمها للحالة البشرية الماثلة.

ثم توجهت برفق الي بعلها المتخفي بشجيرات البطوم لمواصلة إيقاعات نوبات ( التزاوج ) العنيف .!

وبينما أقوم بطرد الذباب اللعين ومحاصرته الفجة لجسدي المنهك بالرطوبة جراءالبحث عن ديار جدتي ( الخبزية ) والبئر القديم .. تنامى لي صوت آخر وسط الغابة ، وإذا بي أمام ذكر ( ماعز ) شبق ( يلبلب ) وسط قطيع من إناث الماعز الشاردة من راعٍ مهمل … إقتربت من ( التيس ) وإذا به يعتلي عجمية ( عنز صغيرة ) منتشياً وغير مكترث بتواجدي ..! إقتربت لأحظي بشربة حليب من عنز رغوث أو علي الأقل لألقي نظرة علي ما يدور في كواليس ( الغلم ) بعد ( تفرعت ) .. وقف ( التيس ) علي رجليه الخلفيتين بعد أن فرغ من مهمته البيولوجية متأهباً ( لنطحي ) ومنعي من الإقتراب ؛ قائلاً : عُد إلي بني جنسك أيها الغريب ، نحن نمارس الحب علناً ، وأنتم تمارسون الكراهية والبغض و التنازل عن أوطانكم .!!

قبلت بالهدنة المؤقتة ، وعدت برشد وحكمة من دولة الحيوانات المثالية ..!

الكاتب / سعد العبرة